الشيخ محمد هادي معرفة

37

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

8 - شذوذ نفسيّ قالوا : ومن عوامل اختيار القراءة الشاذّة ما يعود إلى علل روحيّة ، يروم أصحابها الاشتهار بمخالفة المشهور ، أو عقد نفسيّة تنفجر في وجه الأعراف التقليديّة ، فتتمثّل في قالب الاختيارات الشاذّة . كان محمد بن الحسن ، ابن مقسم ، أبو بكر العطار ، المقرئ النحويّ ( 265 - 355 ) تروقه القراءة بحروف تخالف الإجماع ، فكان يقرأ - لعلل لاترجع إلى النقل ولا الأخذ من الشيوخ - في كثير من الآيات ما يخالف القراءة المشهورة مادة ، وإن وافقت رسم المصحف خطّا . كقراءته : « فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا » قرأ « نجبا » جمع « نجيب » . وشاع أمره فأحضره السلطان واستتابه فأذعن بالتوبة وكتب محضرا بتوبته . وقيل أنّه لم ينزع عنها ، وكان يقرأ بها إلى أن مات . قال الداني : كان عالما بالعربيّة ، حافظا للغة ، حسن التصنيف ، مشهورا بالضبط والإتقان ، إلّا أنّه سلك مسلك ابن شنبوذ ، فاختار حروفا خالف فيها أئمّة العامّة ، وكان يذهب إلى أنّ كلّ قراءة توافق خطّ المصحف فالقراءة بها جائزة وإن لم تكن لها مادّة . « 1 » وكان محمد بن الحسن ، أبو الحسن ، ابن شنبوذ ( ت 328 ) شيخ الإقراء مع أبي بكر ابن مجاهد ( ت 324 ) . وكان ابن شنبوذ أعلم منه وأوسع اطّلاعا بالقراءات وبفنونها وأنواعها . جاب البلاد وطاف الأمصار في طلب العلم والسماع من الشيوخ على خلاف زميله الذي تصدّر مقام « شيخ القرّاء » من قبل السلطان في بغداد ، وكان قليل الإطّلاع ، لم يخرج في طلب العلم ، ولم تكن له خبرة بفنون القراءات القديمة والحديثة . « 2 » ومن ثمّ كان بين ابن شنبوذ وابن مجاهد تنافس على عادة الأقران ، وكان ابن شنبوذ يحطّ من ابن مجاهد ، ويقول : هذا العطشى ، لم تغبّر قدماه في طلب العلم ، وكان إذا أتاه

--> ( 1 ) - بغية الوعاة ، ص 36 ؛ ومعرفة القرّاء الكبار ، ج 1 ، ص 246 . ( 2 ) - البرهان للزركشي ، ج 1 ، ص 327 .